علم أحياء

هل دجَّن الإنسان البدائي نفسه حقا ؟

دلائل وراثية جديدة تشير إلى أن الإنسان البدائي قام باستئناس نفسه.

هل تساءلت يوما حول ما إن تسبب الانتقاء الجيني ضد المتنمرين في تغييرات ملحوظة على شكل جنسنا البشري ؟


بقلم مايكل بريس 4 ديسمبر 2019

قد يفتقر البشر إلى الملامح الكبيرة و الواضحة التي تميّز بها أسلافنا من الرئيسيات كالنيدرثيلس (Neanderthals) و ذلك لأننا قمنا باستئناس أنفسنا .

قد يعد بدأ الإنسان في استئناس الكلاب و القطط و الأغنام و الأبقار مواصلة لعادة قديمة بدأت مع حيوان أخر مختلف كليا : انه نحن.
دراسة جديدة – تسلط الضوء على دليل وراثي ناتج عن خلل يعكس بطريقة ما عوامل استئناس – تشير إلى أن الإنسان المعاصر قام باستئناس نفسه بعد انفصاله عن أسلافه المنقرضين ’ النيدرثيلس (Neaderthals ) و الديسوفانس (Denisovans ) منذ قرابة 6000.000 سنة مضت .

يقول ريشارد رانغهام (Richard Wrangham ) -عالم انثروبولوجيا بيولوجية بجامعة هارفرد غير مشارك في جريدة نيو بورك -إن ” الدراسة مثيرة للاهتمام بشكل مذهل ” و يضيف قائلا انها ” اختبار جميل حقا ” للفكرة البالية التي تقول بان الإنسان يختلف كثيرا عن أسلافه من الرئيسيات من حيث الشكل و ذلك تحديدا لأنه تم استئناسنا.


تنطوي عملية الاستئناس على مجموعة كاملة من التغيرات الجينية التي تنشأ كأنواع يتم إنتاجها لتكون أكثر ودا و اقل عدوانية .تحمل الكلاب و الثعالب المستأنسة على سبيل المثال العديد من التغيرات الجسدية .. أسنان و جماجم أصغر و أذان مرتخية و أقل طولا و أذيال أكثر تجعيدا. تم ربط كل هاته التغيرات الجسدية بحقيقة أن الحيوانات المستأنسة لديها عدد اقل من أنواع معينة من الخلايا الجذعية تسمى بالخلايا الجذعية العصبية.


يمتاز الإنسان المعاصر هو الأخر بكونه أقل عدوانية و أكثر تعاونا و ذلك خلاف للعديد من أسلافنا . نحن أيضا نعرض تغير جسدي كبير فعلى الرغم من كبر حجم أدمغتنا لدينا جماجم أصغر و عظام حاجبية أقل بروزا . إذا هل قمنا حقا باستئناس أنفسنا ؟


اكتشف غيسيبي تييستا (Giuseppe Testa ) – عالم أحياء جزيئي – و زملاء له أن جين واحد يسمى باز1ب ( BAZ1B) يلعب دورا هاما في تنسيق حركات الخلايا الجذعية العصبية . أغلب الناس لديهم نسختين من هذا الجين . من الغريب ان احد النسختين من جين باز1ب ( BAZ1B) بالإضافة إلى مجموعة من الجينات الأخرى مفقودة لدى الناس المصابين بمتلازمة ويليامز بورن (Williams-Beuren syndrome ) و هو اضطراب يرتبط بضعف في القدرات الإدراكية و الجماجم الأصغر حجما و ملامح الوجه التي تشبه ملامح وجه الأقزام والمودة المفرطة.


لمعرفة ما إن كان جين باز1ب يلعب دروا في تشكل ملامح الوجه هذه .قام تيستا و زملائه باستنبات 11 خط خلايا جذعية عصبية مقسمين على النحو التالي .. أربعة من أشخاص يحملون متلازمة ويليامز بورن (William-Beuren syndrome )و ثلاثة من أناس يعانون من اضطرابات مختلفة لكن مترابطة يتم من خلالها مضاعفة الخلايا الرئيسية المسببة للاضطراب بدلا من التخلص منها و أربعة من أشخاص لا يحملون اي من هذه الأمراض. ثم بعد ذلك قاموا باستعمال عدة تقنيات لتعديل نشاط الجين باز1ب (BAZ1B)عند كل خط من خطوط الخلايا الجذعية.


لقد علموا أن هذا التعديل أثر على المئات من الجينات الأخرى التي عرفت بتدخلها في تطور الوجه و الجمجمة . توصّلوا إجمالا إلى أن جين باز1ب (BAZ1B)معدّل هو ما خلّف ملامح الوجه المتميّزة لدى الناس المصابين بمتلازمة ويليامز بورن (William-Beuren syndrome )و في ذلك اقرار بأن هذا الجين يعد عاملا مهما في تشكل مظهر الوجه .


بعد تفحّص المئات من جينات باز1ب (BAZ1B) الحساسة التي تحتويها أجسام بشر معاصرون – اثنان من النيدرثيلس (Neanderthals ) و واحد من الدينيسوفين (Denisovans )– وجد الباحثون أن هذه الجينات قامت داخل جسم الإنسان المعاصر بمراكمة كميات من الطفرات التنظيمية . و هذا يوحي إلى أن الانتقاء الطبيعي هو ما كان يقوم بتشكيلها . و كما أفاد الفريق اليوم في تقرير له لدى مجلة ” ساينس ادفنسيز( Science Advances ) ف” إن الإنسان المعاصر أيضا مر عبر عملية استئناس حديثة و ذلك لان العديد من هذه الجينات نفسها قد خضعت للانتقاء عند حيوانات مستأنسة أخرى .


ينبّه رانغهام ( Wrangham )إلى أن العديد من الجينات المختلفة تلعب على الأرجح دورا في الاستئناس لذلك لا يجب علينا أن نعطي أهمية تطورية كبيرة لجين باز1ب( BAZ1B) . ” إن ما صبوا اهتمامهم عليه هو جين في غاية الأهمية …لكن من الواضح انه سيكون هناك العديد من الجينات المرشحة الأخرى “
يقول ويليام تيكومسيه فيتش الثالث ( William Tecumseh Fitch III )– عالم أحياء تطورية و عالم إدراك بجامعة فيينا – أنه متشكك بخصوص ” أوجه التشابه الدقيقة ” بين عملية الاستئناس الذاتية للإنسان و عملية الاستئناس عند الحيوان . فهو يقول إن ” لهاتين العمليتين أوجه تشابه و أوجه اختلاف “. ” كذلك لا أضن أن تحولات في جين واحد أو أكثر سوف تصنع مثالا جيدا بالنسبة للعديد و العديد من الجينات المتدخلة في عملية الاستئناس .”
هناك العديد من الفرضيات التي تدور حول سبب استئناس البشر في المقام الأول .

يرجّح رانغهام( Wrangham ) فكرة أنه ما ان قام البشر بتشكيل مجتمعات تعاونية , فضلت الضغوطات التطورية أشخاص ذوي ملامح أقل بدائية أو عدوانية . و يضيف ” كان هناك , و لأول مرة على الإطلاق , انتقاء فعّال ضد المتنمرين و الجينات التي تكرّس عدوانهم “. لكن إلى حد الآن ” البشر هم الكائنات الوحيدة التي تسنى لها القيام بهذا الأمر “.

ترجمة يسرى بورارة

مراجعة: ياسين خضراوي


المصادر


https://www.science.org/content/article/early-humans-domesticated-themselves-new-genetic-evidence-suggests?utm_campaign=ScienceNow&utm_source=Social&utm_medium=Facebook&fbclid=IwAR3asZD-unWoudolP3ZlfuinVbolsy88whsvAkHtHbinqyqWOww4n0WzJoI

ياسين خضراوي

مؤسس مبادرة الباحثون التونسيون منذ 2020، مترجم في عديد المواقع والمنظمات العالمية أمثال: TEDx، UNESCO، ومحرر ومدير في ويكيبيديا العربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى