علم الفلك

نظرية التبذل الشامل … ماهي ؟ وما علاقتها بنشأة الكون ؟

سعى الإنسان كثيرا للبحث في حقيقة نشأة الكون. تتعدد الفرضيات حول هذا الموضوع فمنها التي اعتمدت على معتقدات دينية. ومنها العلمية البحتة ومنها حتى المستوحاة من الخيال العلمي. إحدى هذه الفرضيات المتداولة هي نظرية التبذر الشامل،وهي تصور لنا فكرة ان الحياة لم تبدأ على كوكبنا بل انتقلت الى الأرض بعد أنطلاقها من مكان آخر في الكون.

تبدو هذه الفرضية كأنها مستوحاة من كتاب خيال علمي بالرغم من وجود بعض الأدلة الدالة على أن هذه القصة يمكن أن تكون غير مستبعدة في الحقيقة. يعتبر ظهور الحياة إحدى الحجج المدعمة لهذه الفرضية بعد فترة قليلة من الانفجار العظيم للأرض، يعتقد الباحثون، إن الأرض قد واجهت قبل حوالي 4 و 3.8 مليار سنة، سلسلة من النيازك القوية و الممتدة. لكن أولى الدلائل على الحياة في الأرض اثبتت وجودها منذ حوالي 3.83 مليار سنة، ما يتزامن مع فترة الانفجار.

هذه الملاحظات تبين ان الكائنات الحية التي عاشت خلال هذه الفترة قد تعرضت إلى الانقراض، مما يدعم فكرة أن الحياة لم تنشأ على الأرض. . مع ذلك، لابد من تواجد بيئة صالحة للعيش على كوكب آخر لتأكيد فرضية انبعاث الحياة من مكان اخر غير كوكب الأرض. لقد استبعدت مختلف الدراسات حول الكون فرضية إمكانية العيش في محيط اخر بدل كوكب الأرض.

لكنه من المهم الإشارة الى حقيقة صمود من عاش على الأرض أمام الظروف القاسية: تنمو بعض البكتيريا في درجات حرارة عالية جدا تصل إلى 113 درجة مائوية، و في مكان اخر هناك بكتيريا تتكاثر في درجات منخفضة تصل إلى – 18 درجة مائوية. يمكن حفظ عدة انواع في النيتروجين السائل عند 136 درجة مائوية. كما يمكنها تحمل درجات عالية من الاشعاعات المؤينة و الأشعة فوق البنفسجية و الضغط العالي، و ما إلى ذلك.

تشير هذه الملاحظات الى صعوبة تحديد الظروف الأمثل للحياة، أو تقييدها بقوانين الأرض. إن وجود المياه في أماكن مختلفة من الكون يعزز هاته الفكرة; فقد اثيت وجود المياه في المريخ في السابق، كما أن إمكانية وجود حياة في أوروبا ( أحد أقمار كوكب المشتري) أثارت الفضول و الانفعلات نتيجة بعض التخمينات التي دعمت فكرة وجود محيطات تحت الأرض. و رغم أن وجود الماء شيء اساسي في الحياة، الا أن وجوده لا يشير بالضرورة إلى وجود الحياة. في الحقيقة، يمكن للمادة العضوية الشائعة في الفضاء دعم فكرة وجود حياة في العالم الخارجي.

و تشير هذه المادة العضوية الى مركبات تحتوي على الكربون. تعتمد كل الكائنات الحية في الأرض في عيشها على الكربون. تم اكتشاف مجموعة متنوعة من المركبات العضوية في النيازك التي سقطت على الأرض بما في ذلك الأحماض الأمينية و التي تشكل وحدات البناء الأساسية للبروتينات ( البروتينات هي المكونات الأساسية لكل الخلايا الحية). إن وجود مادة الكربون في النيازك يؤيد إمكانية بداية الحياة في الفضاء الخارج، و لكن على الرغم من أن وجود المادة العضوية ضروري للحياة على الأرض، إلا أنها غير كافية لنشأة الحياة.

لو نفترض أن الحياة قد بدأت بالفعل خارج الأرض، يجب على رواد هذه الفرضية تفسير كيفية وصولها إلى الأرض. الابواغ البكتيرية هي أفضل من يمكنه تجسيد دور “بذور الحياة” ، و هي تمكن البكتيريا من الخمول في حالة غياب العناصر الغذائية. تشكل البكتيريا حوالي ثلث الكتلة الحيوية للأرض، و تتميز بقدرتها على الصمود والعيش في الظروف القاسية التي كنا نعتقد في البداية انها لن تساعد على العيش. السؤال المهم في ضوء هذة الفرضية (التبذر الشامل) هو ما إذا كانت الباكتيريا و الأبواغ البكتيرية قادرة على البقاء في الفضاء. للاجابة على هذا السؤال، ابتكر العلماء في المركز الالماني للفضاء الجوي في كولونيا (مدينة في غرب ألمانيا) تجارب باستخدام السائل الروسي Foton، حيث قاموا بمزج الأبواغ البكتيرية مع جزيئات من الطين، الحجر الرملي الأحمر، النيزك المريخي أو محاكاة التربة المريخية لعمل كتل صغيرة بعرض سنتيمتر واحد. ثم عرضت هذه الكتل للفضاء الخارجي عن طريق القمر الصناعي.

بعد اسبوع من تعريضها، وجد الباحثون أن حوالي جميع الأبواغ البكتيرية المختلطة بالحجر الرملي الأحمرقد بقيت على قيد الحياة. كما أظهرت دراسة أخرى أن الجراثيم البكتيرية بامكانها العيش في الفضاء الخارجي طوال مدّة ستة سنوات إذا كانت محمية من الاشعاعات الفوق البنفسجية. و ما كان هذا ليكون ممكنا إلا إذا تنقلت الأبواغ داخل المذنبات و النيازك. تعد المسافات بين الكواكب كبيرة. و بالتالي، فإن الوقت الذي تمضيه الأبواغ البكتيرية على النيازك أو المذنب قبل أن يصطدم بالكوكب المستقبل يمكن أن يعد على مدى ملايين السنين. قامت دراستين بعزل الابواغ البكتيرية; الأولى في بطن النحل المنقرض المحفوظ في الكهرمان، والثانية داخل بلورات ملحية قديمة من العصر البرمي.

والمشكلة تتمثل في قدرة الابواغ البكتيرية على العيش لمدة تصل إلى 250 سنة، و هكذا مكنتنا الابواغ البكتيرية من تفسير الحياة على الأرض. هل هنالك أبواغ بكتيرية طافية في الفضاء؟ في نفس السياق، ركزت إحدى الدراسات على الاشعاع الحراري المنبعث من جسيمات غبار المذنب هالي عند اقترابه من الشمس. بينت الدراسة تطابق مدهش بين بصمات الاشعاع الجسيمات و بصمات الباكتيريا التي تسخن الى درجات حرارة مرتفعة .

ولا توجد مواد أخرى تطابق الجسم الملاحظ غير الباكتيريا. و بما أنه من المعروف أن المذنبات قد اصطدمت بالأرض في وقت ما من الماضي، فإن هذه الملاحظة تعتبر حجة مثيرة للاهتمام بالنسبة لنظرية التبذر الشامل. هذه الدراسة لا تقدم الدليل القاطع على وجود حياة في العالم الخارجي، لكنها تثير إمكانية أن تكون مجرتنا ملطخة بالابواغ البكتيرية. ملاحظة أخرى في علاقة بفرضية التبذر الشامل تشير الى أن هذه الفرضية لاتوضح كيفية نشأت الحياة. حتى لو كنا قادرين على برهنة ان الحياة على الأرض كانت نتيجة لتبذر شامل، فإنه سيكون من الصعب جدا الإجابة على الأسئلة المتعلقة بالمكان و كيفية نشأة هذه الحياة.

تعد معرفتنا بالنظام الشمسي الى اليوم محدودة في فكرة واحدة، و هي أن كوكب الأرض هو الملجأ الوحيد للحياة. لكن مع تقدم العلم و التكنولوجيا يجب علينا تعديل الأفكار التي اعتدنا ان نعتبرها حقائق. لازلنا نتطلع لمعرفة ما إذا كانت الأسئلة المتعلقة ببداية الحياة على الأرض و بداية الحياة في الكون تتشارك نفس الإجابة.

ترجمة وإعداد: يسر المهري

تدقيق: هبة سعيدي

المصدر هنا

ياسين خضراوي

مؤسس مبادرة الباحثون التونسيون منذ 2020، مترجم في عديد المواقع والمنظمات العالمية أمثال: TEDx، UNESCO، ومحرر ومدير في ويكيبيديا العربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى